السيد محمد الصدر
425
تاريخ الغيبة الصغرى
انهما معا تدريجيتان ذواتا خط طويل . ومن هنا أمكن أن نحمل صفة من كل أطروحة ، فتصبح عندنا أطروحتان ثانويتان أخريتان : الأطروحة الأولى : إن وجود الانسان إبداعي وثقافته تدريجية عبر التاريخ البشري الطويل . الأطروحة الثانية : إن وجود الانسان تدريجي ، وناتج عن مملكة الحيوان ، إلّا أن ثقافته إبداعية ، بمعنى أنه حين وصل إلى درجة معينة من التعقل ألهمه اللّه تعالى عددا من الحقائق الحياتية والكونية . . . وأول من ألهم ذلك ، هو أبونا آدم عليه السلام . كل من هاتين الأطروحتين تحتاج إلى التنزل عن بعض الأصول الموضوعية للأطروحتين السابقتين . فكلتا هاتين الأخيرتين تخالفان بعض ظواهر القرآن الكريم ، وبذلك قد يكون مثارا للشك من الناحية الدينية الاسلامية ، كما أنهما معا يعترفان بالابداع الإلهي ، وبذلك يخالفان الفكر المادي ، والاتكال المطلق على القوانين الكونية . ولسنا الآن بصدد الترجيح بين هذه الأطروحات . غير أنه سيأتي في الفقرة الآتية من آيات القرآن الكريم نفسه ، ما قد يضطرنا إلى التنزل عن صراحة الأطروحة الأولى الرئيسية ، وعن بعض ظواهر القرآن التي تدل عليها ؛ وبذلك تتعين إحدى الأطروحتين الأخيرتين أو ما يشابههما في المحتوى . - 3 - تدل بعض آيات القرآن الكريم على أن الناس كانوا أمة واحدة ، وإنما حصل الاختلاف والتناحر بينهم في عصر متأخر ، وقد اقترن هذا الاختلاف بإرسال الأنبياء وبعث الرسل . منها : قوله تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ . . . الآية » « 1 » . ومنها : قوله تعالى :
--> ( 1 ) البقرة : 2 / 213 .